الولاية التشريعية : يعني إن إرادة رسول الله فوق كل إرادة في مقام اتخاذ القرار والاختيار للمؤمنين، وتكون إرادته بديلة عن إرادة المؤمن فإذا أراد مؤمن أن يعمل عملا ما حتى ولو كان مشروعا مائة في المائة فإن الرسول يستطيع أن يمنعه و ليس له الخيرة من أمره .. حتى إن الرسول كان يقضي بفصل الزوج عن زوجه و كانت أوامره مطاعة سواء في الحرب أو في السلم، وسواء في أخذ المال وإعطائه وسواء في النكاح أو الطلاق أو أي أمر من أمور الحياة المختلفة .
و نحن نعتقد أن هذه الإطاعة واجبة على جميع المؤمنين و المؤمنات بالنسبة للرسوا أو الأئمة الأطهار عليهم السلام فولايتهم امتداد لولاية الرسول و ولاية الرسول امتداد لولاية الله تعالى .

بناء عليه فإن ولاية الأئمة مثل ولاية الرسول و معنى ذلك أنه يجب إطاعتهم في الأحكام الشرعية كمايجب إطاعتهم في الأمور الشخصية الفردية و عصيانهم أو مخالفة أوامرهم مخالفة لأوامر الله تعالى .

و الدليل على ذلك كثير من الكتاب و السنة .
مثل قوله تعالى: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم" فتجب إطاعته عليهم بدون أي اعتراض أو تباطؤ .
وأيضا قوله تعالى: " وما آتاكم الرسول فخذوه ومن نهاكم عنه فانتهوا".
و ذلك لأن الرسول لا ينطق الا عن الله تعالى " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى"
و قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ، و أولو الأمر في الآية هم عترة الرسول صلى الله عليه و آله كما هو واضح من التفاسير و أقوال العلماء في هذا الباب .
و كما جاء في قوله تعالى : " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون" ، و قد أجمع المفسرون و المحدثون بأن المقصود من الذي أقام الصلاة و آتى الزكاة و هو في حال الركوع هو علي بن أبي طالب عليه السلام دون شك . و يتبعه الأئمة من بعده سلام الله عليهم .

و هذه الآية صريحة في وجوب إطاعة الرسول دون أن يكون للشخص أي اختيار و يعني ذلك أن للرسول الولاية على المؤمن في كل أمر من أموره الخاصة و العامة دون استثناء . و هذه الولاية تستمر في الأئمة الهداة من بعده . قال تعالى : "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم"



أما الولاية التكوينية فمعناها : تسخير الكائنات الإمكانية تحت إرادة أولياء الله تعالى ومشيئتهم بحيث تنقاد اليهم وينفذ أمرهم فيها و هذه الولاية مستمدة من ولاية الله تعالى ذلك لأنه لا مؤثر في الوجود الا الله عز وجل، و لا يتمكن أحد كائنا من كان أن يؤثر في الوجود و يتصرف في الكون مستقلا و لكن إذا شاء الله فإن أولياءه مثل الأنبياء و الأئمة يتصرفون في الكون و يعملون الخارقات بإذن الله و بمشيئته .

و قد كشف القرآن عن بعض الأنبياء الذين كانت لهم الولاية التكوينية و تصرفوا في الكون مثل إبراهيم وموسى وسليمان و داود وعيسى عليهم و على نبينا و آله السلام .

قال تعالى عن نبيه موسى عليه السلام : " ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً لا تخاف دركاً ولا تخشى"
أوقوله تعالى:" وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كل أناس مشربهم"
و معاجز أخرى مثل تبديل العصا الى الثعبان و تفجير الماء من الصخرة و غير ذلك .. كل هذه المعاجز كانت لموسى عليه السلام و لكن بدون شك بإذن من الله .

أنظر الى عيسى عليه السلام كيف يقول : "ورسولاً إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وأُبرئ الأكمة والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين "
فهذا أيضا نبي من أنبياء الله يتصرف في الكون بالولاية التكوينية و يعمل أمورا خارقة لا يمكن أن يقبلها العقل لولا أن القرآن يحدثنا بها فنراه يحيي الموتى و ليس هذا بالأمر الهين أو يبرئ الأكمه و الأبرص أو يخلق طيرا من الطين فينفخ فيه لتحل فيه الروح و لكن كل هذه الأمور بأمر و إرادة من الله .
و هذا ا داود عليه السلام فقد سخر الله له الطير والجبال يسبحن معه والرياح ولين له الحديد كما في الآية الشريفة : " وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين"
وقوله تعالى: " فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب" و قوله : "يا جبال أوبي معه والطير وألنّا له الحديد" .
و جاء عن سليمان النبي سلام الله عليه أيضا أن الله سخر له الجن و الإنس كما و سخر له الريح . قال تعالى: " ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين" .
فهل داود و عيسى و موسى و سائر أنبياء الله أفضل أم رسول الله و خاتم النبيين محمد صلى الله عليه و آله وعترته الطاهرة حتى يسخر لهم ما لم يسخر للنبي وعترته سلام الله عليهم ؟

لقد ورد بسند صحيح عن هارون بن موفق مولى أبي الحسن عليه السلام قال: قال أبو الحسن عليه السلام في حديث طويل: " لم يعط داود وآل داود شيء إلا وقد أعطي محمد وآل محمد أكثر" .
وهذه الأمور وإن كانت مستحيلة عادة و لكنه سبحانه يفوضها إلى بعض عباده المكرمين تشريفاً وتعظيماً لهم لطاعتهم له و يسمح لهم أن يتدخلوا في عالم الخلق والتكوين وأن يحدثوا ما يعتبر خارقاً لقوانين الطبيعة و ظاهر الآيات تدل على أنهم يتصرفون بعوالم التكوين ويقومون بتلك الأفعال بمحض إرادتهم التي هي في طول إرادة الله سبحانه وإنهم كانوا يخلقون بإذن الله تعالى لأن عملية الخلق من أعمال الله الخاصة استقلالا و لكن يمكن ذلك إن كان بإذنه .

ومن الآيات التي تدل على الولاية التكوينية قوله تعالى: " قال الذي عنده علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك"
فإن كان آصف بن برخيا قد أكرمه الله و من عليه بعلم من الكتاب و يستطيع أن يحضر عرش بلقيس في أقل من طرفة عين فلا شك أن علي بن أبي طالب عليه السلام و هو الذي أعطاه الله علم الكتاب أولى و أقدر على التصرف في عالم العناصر والأجساد، و تسيير الجبال و التكلم مع الموتى و غير ذلك من المعجزات الباهرات التي خلدها التاريخ لهم سلام الله عليهم .
ففي الروايات الواردة عن طريق العترة الطاهرة أن آية " قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب" نزلت في علي بن أبي طالب سلام الله عليه .

و لكن المؤسف حقا أن كثيرا من أهل السنة لا يستطيعون تقبل هذا الأمر و يتهموننا بالشرك إن نحن أثبتنا المعجزات للأئمة و لكنهم يجهلون أننا لا نثبت الولاية التكوينية لهم استقلالا و بالذات بل نثبتها بالإذن من الرب الجليل . و العجيب الأعجب أنهم يعتقدون بالمعجزات و الكرامات لأشخاص عاديين و لكنهم من العُباد و الزهاد مثل عبد القادر الكيلاني الذي ينقلون الكرامات الكثيرة عنه و لكنهم ينفونها عن عترة رسول الله و من عندهم علم الكتاب .
و لابد هنا أيضا من الإشارة الى أن التصرف الولائي للأئمة في الكون لا يعني أن الله فوض اليهم أمر الكون كما يخيل الى بعض الغالين من الشيعة بل تصرف في الكون بإذدن الله دون أن يكونوا هم المؤثرون في الوجود استقلالا و بالذات .